بحث عن حكم أخذ العوض في الخلع – القانون الشرعي 2022

بحث عن حكم أخذ العوض في الخلع – القانون الشرعي 2022

التمهيد: وفيه التعريف اللغوي, والاصطلاحي للخلع, والمقصود باتخاذ العوض في الخلع, والحكمة من شرعية الخلع.
المبحث الأضخم: دعوى نسخ أحكام الخلع ونسخ إنتهاج العوض فيه.

المبحث الـ2: حكم إنتهاج العوض نتيجة لـ بغض وكره القرينة.

المبحث الـ3: حكم إنتهاج العوض جراء عضل القرين.

وفيه مطلبان:

الطلب الأكبر: حكم إتخاذ العوض بالعضل ظلماً.

الطلب الـ2: حكم تنفيذ العوض بالعضل جراء الوصول إلى الفاحشة.

المبحث الـ4: حكم تنفيذ العوض في الخلع ظرف الوفاق بين الزوجين.

الخاتمــة: وفيها أبرز نتائج البحث.

وسلكت في ذاك البحث المنهج اللاحق:

1- عزو الآيات القرآنية إلى سورها في المتن ذاته.

2- تخريج الأحاديث وبيان ما ذكره أهل العلم في درجتها إذا لم تكن في الصحيحين أو أحدهما.

3- تخريج الآثار الواردة في البحث.

4- لم أعلم بالأعلام تلافياً للإطالة.

5- أعرض أقوال الفقهاء في الشأن مع ذكر أبرز ما وقفت فوقه من دلائل, ثم أرجح ما يعضده الدليل.

6- تقرير الأقوال من كتب أهل المذهب, والاعتماد على أمهات المنابع والمراجع.

ذلك, والله أسأل النجاح والسداد, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

التمهيــــــد: في توضيح مفهوم الخلع وانتهاج العوض فيه والحكمة من مشروعيته
أولاً : توضيح مفهوم الخُلع في اللغة:
في الصحاح: (خَلَعَ ثوبه ونعله وقائده خَلْعاً. وخَلَعَ أعلاه خلعة, وخالع امرأته خُلْعاً بالضم)([1]).

أفاد ابن فارس: (الخاء واللام والعين منبع فرد مطرّد, وهو مُزايلة الشيء الذي كان يحتوي به أو فوقه, تقول: خلعت الثوب أخلعه خُلْعاً, وخُلع الحاكم يُخلع خلعاً.

وذلك لا يكاد يقال سوى في الدون يتدنى من هو أعلى منه, وإلا فليس يقال: خلع صاحب السمو الأمير واليه على بلد كذا, ألا تشاهد أنه إنما يقال: عزله. ويقال: طلق الرجُل امرأته, فلو كان هذا من قبل المرأة يقال: خالعته وقد اختلعت؛ لأنها تفتدي ذاتها منه بشيء تبذله له)([2]).

صرح الأزهري: (وسمي هذا الفراق خلعاً لأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ جعل الحريم لباساً للرجال, والرجال لباساً لهن, فقال هلم: + ” [البقرة: 187].

وهي ضجيعته وضجيعُه, فإذا افتدت المرأة بمال تعطيه لزوجها ليبينها منه فأجابها إلى ذاك خسر بانت منه, وخلع كل شخص منهما لباس صاحبه, والاسم من هذا الخُلع, والمنبع الخلع)([3]).

ثانياً: توضيح مفهوم الخُلع اصطلاحاً:
اختلف الفقهاء في توضيح مفهوم الخلع لاختلافهم في محددات وقواعد الخلع والأحكام الناتجة عنه على ما يلي:

1ـ الحنفية:
عرفه الزيلعي بأنه: (إتخاذ الملكية بإزاء ملك النكاح بلفظ الخلع)([4]).

وعرفه ابن الهمام بأنه: (محو ملك النكاح بلفظ الخلع)([5]).

وعرفه ابن نجيم بأنه: (إزاحة ملك النكاح المتوقفة على موافقتها بلفظ الخلع أو ما في معناه)([6]).

2ـ المالكية:
عرفه ابن شاس بأنه: (متمثل في خلع العصمة بعوض من القرينة أو من غيرها)([7]).

وعرفه الرصاع: (بأنه ملمح حكمية ترفع حلية متعة القرين بعوض)([8]).

وعرفه محمد بن جزي الغرناطي بأنه: (فعل المرأة أو غيرها للرجل مالاً إلى أن يطلقها أو تسقط عنه حقّاً لها فوقه)([9]).

الشافعية:
أفاد الرافعي: (وشرح الخلع في الشريعة بالفرقة على تعويض يأخذه القرين)([10]).

وتحدث محمد الشربيني: (هو في الشرع فرقة بين الزوجين بعوض مقصود راجع لجهة القرين بلفظ طلاق أو خلع)([11]).

وعرفه ابن قاسم الغزي بأنه: (فرقة بعوض مقصود)([12]).

4ـ الحنابلة :
صرح ابن قدامة: (معناه: فراق الزَّوج امرأته بعوض)([13]).

وعرفه الفتوحي بأنه: (فراق قرينته بعوض, بألفاظ مخصوصة)([14]).

وعرفه إبراهيم بن ضويان بأنه: (فراق القرينة بعوض يأخذه القرين منها, أو من غيرها بألفاظ مخصوصة)([15]).

لدى التأمل في تعريفات الفقهاء الماضية للخلع نجد أن اختلاف عباراتهم يرجع إلى ما يلي:

أ ـ قليل من الفقهاء يشاهد أن الخلع يعتبر طلاقاً؛ لهذا نجد تعريفاتهم تحتوي فقرة «إزاحة ملك النكاح», ومن يشاهد من الفقهاء أن الخلع فسخ لا يذكر الألفاظ التي تبرهن أن إلغاء ملك النكاح, إنما يذكر ألفاظاً تشير إلى الفسخ دون فسخ العلاقة الزوجية.

(وتبدو نفع ذاك الجدل في الخلع الواقع بينهما, بعدما طلق الرجل طلقتين, فعند الحشد طلقة الخلع ثالثة, فلا تحل لمخالعها سوى في أعقاب قرين, وعند ابن عباس وأحمد بن حنبل وإسحاق ومن وافقهم لا تعد طلقة, ولهما أن يعقدا نكاحاً مستأنفاً)([16]).

ب ـ كميات وفيرة من الفقهاء يوميء إلى العوض في الخلع ويجعله شرطاً لسلامته, ويرى بعضهم الآخر صحة الخلع بلا بدل إتلاف.

جـ ـ قليل من الفقهاء يشاهد أن الخلع لا يحدث سوى بألفاظ مخصوصة, والصحيح أن الخلع يحدث بالألفاظ الصريحة له, أو بما يشير إلى إرادة الخلع مثل ألفاظ الكناية.

يقول شيخ الإسلام: (فالفرق بين لفظ ولفظ في الخلع قول مطور لم يدري عن واحد من من السلف لا الصحابة, ولا التابعين ولا تابعيهم)([17]).

ولعل التعريف الراجح للخلع هو:
فراق القرين قرينته بلفظ الخلع أو ما يدل أعلاه بعوض بالعادةً.

فقول: (فراق)؛ لأن الخلع واحد من نوعي الفرقة.

وقول: (بلفظ الخلع أو ما يدل فوقه)؛ لأن ألفاظ الخلع تنقسم إلى صريح كالمفاداة والخلع والفسخ, وكناية كالمبارأة والمباينة والمفارقة.

أفاد ابن قدامة: (وألفاظ الخلع تنقسم إلى صريح وكناية, فالصريح ثلاثة ألفاظ خالعتك لأنه استقر له العرف, والمفاداة لأنه ورد به القرآن بقوله سبحانه: + ” [البقرة: 229], وفسخت نكاحك لأنه حقيقة فيه, فإذا جاء بأحد تلك الألفاظ حدث من غير نية, وما عدا تلك مثل بارأتك, وأبرأتك, وأبنتك فهو كناية)([18]).

صرح ابن رشد: (واسم الخلع والفدية والصلح والمبارأة جميعها تؤل إلى معنى شخص, وهو فعل المرأة العوض على إنفصالها بالطلاق, بل اسم الخلع يخص ببذلها له جميع ما أعطاها, والصلح ببعضه, والفدية بأكثره, والمبارأة بإسقاطها عنه بالفعل لها فوقه)([19]).

أفاد أبو عمر بن عبد البر: (صرح مالك رحمه الله: المختلعة هي ما اختلعت مع جميع ما لها, المفتدية هي ما افتدت ببعض ما لها, والمبارئة هي ما بارأت قرينها من قبل أن يدخل بها فقالت: قد أبرأتك الأمر الذي كان يلزمك من صداقي ففارقني أفاد: وكل ذلك سواء هي تطليقة بائنة.

صرح أبو عمر: قد تدخل لدى غيره من أهل العلم عدد محدود من تلك الألفاظ على عدد محدود من فيقال: مختلعة وإن دفعت قليل من ما لها, وأيضا المفتدية ببعض ما لها وكل ما لها, وذلك توجيه اللغة)([20]).

وصرح ابن القيم: (والصواب أن كل ما دخله الثروة فهو فدية بأي لفظ كان, والألفاظ لم ترد لذواتها ولا تعبدنا بها, وإنما هي طرق إلى المعاني, فلا فرق قط بين أن تقول: اخلعني بألف أو فادني بألف, لا حقيقة ولا شرعاً ولا لغة ولا عرفاً)([21]).

والقول: (بعوض كثيرا ماً) مغزى على أن الخلع يحدث بلا تعويض, إلا أن الغالب أن يكون بعوض لدى الفقهاء.

ثالثاً: إنتهاج العوض في الخلع:
المقصود من بدل إتلاف الخلع: ما يأخذه القرين من قرينته أو غيرها بنظير خلعه لها, ولذا العوض يجوز أن يكون مالاً محدداً, أو موصفاً, أو دينا للمرأة على القرين تفتدي به ذاتها, ويجوز أن يكون مكسب, وعند عدد محدود من الفقهاء يجوز أن يكون العوض بالمجهول, وقليل من الفقهاء يشاهد عدم اشتراط العوض (نظير الخلع) لصحة إتفاق مكتوب الخلع([22]).

رابعاً: الحكمة من شرعية الخلع:
من رحمة الله تعالى وحكمته أن الشريعة أباحت للمرأة دعوة الخلع إذا كانت كارهة لزوجها راغبة عنه. ولذا اجتماع لما بيد الرجل من فسخ العلاقة الزوجية, فإذا لم يتمكن من الرجل العيش بسعادة مع قرينته, ولم يجد لهذا علاجاً, أوقع فسخ العلاقة الزوجية, وايضاً المرأة إذا كانت كارهة لزوجها ولا يمكنها العيش برفقته, فإن الله سبحانه شرع لها الخلع لتفتدي ذاتها من قرينها.

يقول سيد قطب: (وبذلك يراعي الإسلام جميع الحالات الواقعية التي تعرض للناس, ويراعي أحاسيس القلوب الجادة التي لا مكيدة للإنسان فيها, ولا يقسر القرينة على حياة تنفر منها, وفي الدهر نفسه لا يضيع على الرجل ما أنفق بدون ذنب جناه)([23]).

أيضا في الخلع ترقية للضرر, ومن نُظم الشريعة الإسلامية أن الضرر يزال.

يقول ابن قدامة: (والخلع لإزالة الضرر الذي يلحقها ـ أي المرأة ـ بسوء العشرة والمقام مع من تكرهه وتبغضه)([24]).

ومن حكمة الشريعة في مشروعية الخلع التسهيل على القرينة لدى امتناع القرين من إنفصالها بالطلاق مع إساءة العشرة، فشرع الخلع تيسيراً للزوجة ورفع للمشقة حين لم يجعل الشرع فسخ العلاقة الزوجية بيدها.

صرح الحافظ صلاح الدين العلائي: (مشروعية الخلع والافتداء جعل تيسيراً على القرينة لدى امتناع القرين من إنفصالها بالطلاق؛ لإساءة عشرتها لما في هذا من المشقة أعلاها، فخفف الشارع عنها هذا بشرعية الخلع لها. وأيضاً كل مقر شرع فيه للزوجة خيار الفسخ؛ إنما كان تيسيراً فوق منها، لما في صبرها على الموقف المقتضية لشرعية الخيار من المشقة حين لم يجعل الشرع فسخ العلاقة الزوجية بيدها)([25]).

ومن حكمة الشريعة في الخلع أن أحكام الشرع وضعت طرق لفسخ كل إتفاق مكتوب إتضح فساده أو عدم الإدارة القانونية في إبقائه.

صرح الطاهر بن عاشور: (قد جعلت الشريعة لجميع آصرة أداة إلى انحلالها إذا ظهر فساد هذه الآصرة أو وضح عدم استقامة بقائها, فانحلال آصرة النكاح بالطلاق من تلقاء القرين وبطلاق الوالي وبالفسخ, والهدف التشريعي فيه ارتكاب أخف الضرر لدى تعسر استقامة المعاشرة, وخوف ارتباك وضعية الزوجين, وتسرب هذا إلى ارتباك موقف الأسرة)([26]).

المبحث الأكبر

——————————————————————————–

([1]) الصحاح 3/1205 مادة خلع.

([2]) معجم معايير اللغة 2/209 مادة خلع.

([3]) تهذيب اللغة 1/164 مادة خلع, وانظر لسان العرب 8/76 وتاج العروس 11/مائة وتهذيب الأسماء واللغات 3/96.

([4]) ثبت الحقائق 2/266 وانظر مجمع الأنهر 1/447.

([5]) فتح القدير 3/199.

([6]) البحر الرائق 4/77 وانظر حاشية ابن عابدين 3/461.

([7]) إتفاق مكتوب المجوهرات الثمينة 2/137.

([8]) أوضح تم منحه الجليل على مختصر خليل 2/182.

([9]) قوانين القرارات التشريعية 257.

([10]) العزيز بيّن الوجيز 8/394 وانظر روضة الطالبين 7/374.

([11]) مطرب المحتاج 3/362 وانظر الإقناع في حل ألفاظ والدي شجاع 2/147.

([12]) فسر ابن قاسم الغزي على ظهر والدي شجاع 2/139.

([13]) الوافي 4/405 وانظر المطلع على أبواب المقنع 331.

([14]) منتهى الإرادات 2/131 وانظر معونة أولي النهى 7/419 وعلل منتهى الإرادات 5/335 والإقناع 3/441, وكشاف القناع 5/212.

([15]) منار السبيل 2/226.

([16]) التحرر والتنوير 2/410 وانظر أحكام القرآن لابن العربي 1/195.

([17]) مجموع الفتاوى 23/ثلاثمائة.

([18]) المطرب عشرة/275.

([19]) طليعة المجتهد 2/54.

([20]) التمهيد 23/379 وانظر فتح الباري 9/403.

([21]) إعلام الموقعين 1/224.

([22]) الموسوعة الفقهية 19/254, وانظر المعمق في أحكام المرأة 8/171.

([23]) ظلال القرآن 1/248.

([24]) المطرب عشرة/269.

([25]) المجموع المذهب في نُظم المذهب 1/115.

([26]) غايات الشريعة الإسلامية 165 بإجراء.
المبحث الأكبر
دعوى نسخ أحكام الخلع ونسخ إتخاذ العوض فيه

نقل العلماء عن بكر بن عبد الله المزني عدم شرعية إتخاذ العوض في الخلع بشكل حاسمً, وذهب على أن حكم العوض في الخلع منسوخ.
ففي شرح ابن جرير الطبري (أفاد عقبة ابن والدي الصهباء: سألت بكراً عن المختلعة أيأخذ منها شيئاً؟ صرح: لا, وتلا + ” [النساء: 21].
وبسنده عن عقبة بن والدي الصهباء أفاد: سألت بكر بن عبد الله عن رجل ترغب امرأته منه الخلع أفاد: لا يحل له أن يأخذ منها شيئاً. قلت: يقول الله سبحانه وتعالى ذكره في كتابه: + ” أفاد: تلك نُسخت, قلت: فإني حفظت. صرح: حفظت سورة الحريم, قول الله سبحانه وتعالى ذكره: + ” [النساء: 19]( ).
وقد أجاب العلماء على دعوى النسخ بما يلي:
1ـ أن دعوى النسخ لا تسمع سوى إذا عرفت الآية الناسخة متأخرة وتعذر الجمع.
أفاد ابن قدامة: (ودعوى النسخ لا تسمع حتى يثبت تعذر الجمع, وأن الآية الناسخة متأخرة, ولم يثبت شيء من هذا)( ).
أما الجمع بين الآيتين فإن آية (وإن أردتم استبدال قرين) [النساء: 20].
تفيد حظر الرجل من أن يأخذ من المرأة شيئاً الأمر الذي آتاها إذا أراد استبدال قرين بزوج, ولم يكن نشوز من المرأة على الرجل, فإذا كان الموضوع أيضا فأخذه شيئاً من ممتلكاتها محرّم, وأما الآية التي في سورة البقرة فإنها إنما دلت على إباحة الله إتخاذ الفدية من القرينة في حال الرهبة عليهما ألا يقيما حواجز الله بنشوز المرأة, وطلبها فراق الرجل.
أفاد ابن جرير: (الآية التي في سورة الحريم إنما منع الله فيها على قرين المرأة أن يأخذ منها شيئاً الأمر الذي آتاها, فإن أراد الرجل استبدال قرين بزوج من إلا أن يكون ثمة رهاب ألا يقيما حواجز الله, ولا نشوز من المرأة على الرجل, وأما الآية التي في سورة البقرة فإنها إنما دلت على إباحة الله ـ إيتي ذكره ـ له إنتهاج الفدية منها في حال الرهبة عليهما ألا يقيما حواجز الله بنشوز المرأة وطلبها فراق الرجل)( ).
وصرح الماوردي في رده على دعوى النسخ: (ولذا غير دقيق؛ لأن تلك الآية ـ آية سورة السيدات ـ منعت من إنتهاج ما لم تطب به نفساً, ولم تحجب الأمر الذي بذلته بطيب نفس واختيار مثلما أفاد إيتي: + “( ).
2ـ الإجماع منعقد على شرعية الخلع.
صرح ابن جرير في رده على دعوى النسخ: (إجماع الجميع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المسلمين على تخطئته وإجازة إنتهاج الفدية من المفتدية ذاتها لزوجها, وفي ذاك الكفاية عن الاستشهاد على خطئه بغيره)( ).
وصرح ابن عبد البر: (قول بكر ذلك عكس السنة الثابتة في حكاية راسخ بن قيس وحبيبة طفلة يسير, ونقيض جماعة العلماء والفقهاء بالحجاز والعراق والشام)( ).
3ـ أجاب الماوردي عن دعوى النسخ بما يلي:
(لما جاز أن لديه القرين البضع بعوض, جاز أن يزيل ملكه عنه بعوض كالشراء والبيع, فيكون إتفاق مكتوب النكاح كالشراء والخلع كالبيع)( ).

المبحث الـ2
حكم إتخاذ العوض نتيجة لـ بغض وكره القرين

المرأة إذا كرهت قرينها لخَلقِه أو خُلُقه أو دينه أو كبره أو ضعفه, ونحو ذاك, وخشيت ألا تؤدي حق الله سبحانه وتعالى في طاعته, جاز لها أن تخالعه بعوض تفتدي به ذاتها.
وقد دل على هذا الكتاب, والسنة, والإجماع, والقياس.
أ ـ أما الكتاب:
فقوله هلم: + ” [البقرة: 229].
وجه المغزى من الآية: أن المرأة إن لم تقدر على معاشرة القرين, وأبغضته, وخشيت عدم القيام بحقوقه, فلها أن تفتدي منه بما أعطاها.
صرح ابن عديد: (إذا تشاقق الزوجان ولم تقم المرأة بحقوق الرجل وأبغضته ولم تقدر على معاشرته فلها أن تفتدي منه بما أعطاها, ولا حرج فوق منها في بذلها له, ولا حرج فوق منه في رضى ذاك منها)( ).
ب ـ وأما السنة:
فعن ابن عباس رضي الله سبحانه وتعالى عنهما صرح: إن امرأة وطيد بن قيس جاءت النبي × فقالت: يا رسول الله وطيد بن قيس ما أعتب فوق منه خلقاً ولا ديناً, ولكني أكره الكفر في الإسلام( ). فقال رسول الله ×: أتردين فوقه حديقته؟ صرحت: نعم. أفاد رسول الله ×, اقبل الحديقة وطلقها تطليقة.
وفي قصة عن ابن عباس صرح: أتت امرأة راسخ بن قيس إلى رسول الله × فقالت: يا رسول الله إني لا أعتب على وطيد في دين ولا خلق ولكني لا أطيقه فقال رسول الله ×: فتردين فوق منه حديقته؟ صرحت: نعم( ).
وعن عائشة رضي الله سبحانه وتعالى عنها, أن حبيبة فتاة سلس( ) كانت لدى وطيد بن قيس بن شماس فضربها فكسر بعضها, فأتت رسول الله × عقب الصبح فاشتكته إليه, فدعا النبي × ثابتـاً فقـال: خـذ عدد محدود من مالهـا وفارقهـا, فقال: ويصلح ذاك يا رسول الله؟ أفاد: نعم. صرح: فإني أصدقتها حديقتين وهما بيدها, فقال النبي ×: خذهما وفارقها. ففعل( ).
جـ ـ أما الإجماع خسر حكاه أكثر الفقهاء.
صرح ابن عبد البر: (وأجمع العلماء على عطلة الخلع بالصداق الذي أصدقها إن لم يكن مضراً بها, وخافا ألا يقيما حواجز الله)( ).
وتحدث الرافعي: (ومنشأ الخلع مجمع فوقه, وقد اشتمل القرآن على ذكره صرح الله سبحانه وتعالى: + ” [البقرة: 229]( ).
وصرح ابن القيم: (وحرم الخلع طائفة شاذة من الناس خالفت الموضوع والإجماع)( ).
وصرح الحافظ ابن صخر: (وأجمع العلماء على مشروعيته سوى بكر بن عبد الله المزني التابعي الشهير)( ).
د ـ أما القياس فما ذكره ابن قدامة بقوله: (لأن حاجتها داعية إلى ناديه, ولا تبلغ إليها سوى ببذل العوض, فأبيح لها ذاك, كشراء المتاع)( ).
وقد ذهب عدد محدود من العلماء من بينهم طاوس على أن الذي يبيح للرجل إنتهاج الفدية أن يكون رهاب ألا يقيما حواجز الله منهما سوياً لكراهية كل فرد منها الآخر.
صرح طاوس: (بل يخافا أن لا يقيما حواجز الله في حين افترض لجميع فرد منهما على صاحبه في العشر, والصحبة)( ).
صرح الطبري: (الشأن في هذا على عكس ما ظننت, وهذا أن في نشوزها أعلاه داعية له إلى التقصير في واجبها ومجازاتها بسوء فعلها به, وهذا هو المعنى الذي يحتم للمسلمين الرهاب عليهما ألا يقيما حواجز الله, فأما لو أنه التفريط منهما فليس هنالك للخوف مقر حيث كان المخوف قد وجد)( ).
وما تمنح من عصري وطيد موضوع في الشأن, فإن الكراهة من قرينته دون متين رضي الله سبحانه وتعالى عنه.
صرح الحافظ ابن قرميد: (وفي المحادثة من المزايا ـ حوار متين ـ أن الشقاق إذا حصل من قبل المرأة ليس إلا جاز الخلع والفدية, ولا يتقيد ذاك بوجوده منهما معاً, وأن ذاك يشرع إذا كرهت المرأة 10 الرجل ولو لم يكرهها ولم ير منها ما يلزم فراقها)( ).

المبحث الـ3
حكم تنفيذ العوض نتيجة لـ عضل القرين قرينته
عضل الرجل لزوجته بالسجن أو التضييق والإضرار بها إما أن يكون ظلما أو جراء بلوغ المرأة الفاحشة.
الطلب الأضخم: حكم إتخاذ العوض بالعضل ظلماً:
العضل يجيء بمعنى الحبس والمنع, يقال: عضل المرأة عن الزواج وحبسها, وعضل الرجل أيمه يعضلها حظرها الزواج ظلماً.
أفاد هلم: + ” [البقرة: 232].
ويجيء بمعنى الإضرار, يقال: عضل القرين امرأته، وهو أن يضارها ولا يحسن عشرتها ليضطرها بذاك إلى الافتداء منه بمهرها, مثلما في كلامه إيتي: + ” [النساء: 19] سماه الله سبحانه وتعالى عضلاً لأنه يمنعها حقها من النفقة وحسن العشرة، مثلما أن الولي إذا حظر المرأة من التزويج ولقد حظرها الحق الذي أبيح لها من النكاح( ).
وقد بحث الفقهاء العضل بمعنى تجريم المرأة من التزويج, وبمعنى الإضرار بالزوجة, والمعنى المرغوب في البحث هو إضرار القرين امرأته ليضطرها إلى الافتداء.
وقد اتفق العلماء على حرمة عضل الرجل قرينته ظلماً بالتضييق أعلاها وحظرها من مستحقاتها.
صرح الجصاص: (وتحدث أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد: لو أنه النشوز من قبلها حل له أن يأخذ منها ما أعطاها ولا يتكاثر, ولو كان النشوز من قبله لم يحل له أن يأخذ منها شيئاً)( ).
وصرح القرطبي: (وأجمعوا على تحظير إتخاذ ثروتها لكن يكون النشوز وفساد العشرة من قبلها)( ).
صرح ابن قدامة: (فأما إن عضل قرينته، وضارها باللطم والتضييق أعلاها، أو حظرها مستحقاتها من النفقة والقسم ونحو هذا لتفتدي ذاتها منه، ففعلت فالخلع باطل، التعويض عائد, روى ذاك عن ابن عباس، وبه صرح مالك والشافعي)( ).
وقد استدل الفقهاء على حرمة عضل الرجل قرينته ظلماً بما يلي:
1 ـ قولـه هلم: + ” [النساء: 19].
ففي تلك الآية نهي صريح للزوج عن عضل القرينة.
صرح ابن جرير: (نهى الله ـ جل ثناؤه ـ قرين المرأة عن التضييق فوقها والإضرار بها وهو لصحبتها كاره، ولفراقها محب, لتفتدي منه ببعض ما آتاها من الصداق)( ).
وتحدث الكاساني: (نهى الأزواج عن إنتهاج شيء الأمر الذي أعطوهن, واستثنى حال نشوزهن, وحكم الغير مطلوب يخالف حكم المعفي منه, فيقتضي تحريم إنتهاج شيء الأمر الذي أعطوهن لدى عدم النشوز)( ).
2 ـ قولـه إيتي: + ” [النساء: 20، 21].
صرح الشنقيطي في شرح تلك الآية: (النهي عن العودة في شيء الأمر الذي أعطى الأزواج زوجاتهم، وإذا كان المعطى قنطاراً, وبين أن أخذه بهتان وإثم موضح، وبين أن العلة المبالغ من إنتهاج شيء منه هو أنه أفضى إليها بالجماع، وبين سبحانه في مقر أحدث أن بقالة النهي عن ذاك إن لم يكن عن طيب النفس من المرأة, ولذا في قولـه هلم: + ” [النساء: 4] ونوه إلى هذا بقولـه: + ” [النساء: 24])( ).
3 ـ ومما يستدل به عصري والدي حميد الساعدي، أن النبي × أفاد: «لا يحل للرجل أن يأخذ عصا شقيقهُ بغير طيب ذاته» ولذا لتماسك ما منع رسول الله × من ملكية المسلم على المسلم ( ) .
وعضل الرجل المرأة والإضرار بها بغير حق وتنفيذ ثروتها كل ذاك بغير طيب نفس منها.
3 ـ ومما استدل به أنه بدل إتلاف أكرهت فوقه القرينة بغير حق فلا يستحقه القرين. صرح ابن قدامة: (ولأنه بدل إتلاف أكرهت على بذله بغير حق، فلم يحق كالثمن في المبيع والأجرة في الإجارة)( ).
وإذا عضل الرجل قرينته ظلما وانتهاج العوض وتم الخلع خسر اختلف الفقهاء في حكم هذا العوض والخلع على أقوال:
القول الأكبر: العوض عائد على المرأة والفسخ باطل:
وذلك القول حكاية عن الإمام أحمد.
أفاد ابن قدامة: (فأما إن عضل قرينته، وضارها باللطم والتضييق فوق منها، أو حظرها مستحقاتها، من النفقة والقسم ونحو هذا لتفتدي ذاتها منه ففعلت فالخلع باطل وبدل الإتلاف عائد)( ) .
وذلك قول من يشاهد أن الخلع فسخ إن لم يَنوِ به فسخ العلاقة الزوجية. فلا يحدث الخلع وتظل القرينة ويرد إليها العوض.
أفاد ابن قدامة: (وإن قلنا: هو فسخ ولم ينو به فسخ العلاقة الزوجية لم يحدث شيء؛ لأن الخلع بغير تعويض لا يحدث على واحدة من الروايتين)( ) .
واستدل الحنابلة على ذاك القول بأن العوض أكرهت على بذله بغير حق فلم يستحقه القرين فيرد أعلاها, وأما الخلع فلا يحدث لأن القرين تقبل بالفسخ بالعوض, فإذا لم يحصل له العوض فلا يصح الفسخ( ) .
ايضا استدلوا بأدلة حرمة العضل ظلما الماضية, وإذا حظر أعلاه العضل منع أعلاه إتخاذ العوض فلا يحدث الخلع ويرد العوض.
القول الـ2: العوض يعقب على المرأة ويقع الفسخ:
ولذا القول في مذهب الحنابلة, فالعوض يرد لأنها أكرهت على بذله, والفسخ يحدث لأنه يصح الخلع بغير بدل إتلاف.
أفاد ابن قدامة: (وصرح مالك: إن إنتهاج منها شيئا على ذاك الوجه رده ومعنى الخلع فوقه ـ أفاد ابن قدامة ـ ويتخرج لنا مثل ذاك إذا قلنا يصح الخلع بغير تعويض)( ) .
القول الـ3: العوض يعقب على المرأة ويقع الخلع:
وهو قول الإمام مالك والشافعي ورواية عن الإمام أحمد.
أفاد الإمام مالك: (في المفتدية التي تفتدي من قرينها أنه إذا معرفة أن قرينها أضر بها وضيق أعلاها، وعلم أنه غير عادل لها، خرج من فسخ العلاقة الزوجية، ورد أعلاها ممتلكاتها)( ) .
وفي المهذب (وإن إعتدى عليها أو حظرها حقها طمعا في أن تخالعه على شيء من ممتلكاتها لم يجز لقولـه إيتي: + ” فإن طلقها في تلك الظرف على تعويض لم يستأهل العوض؛ لأنه عضل معاوضة أكرهت فوق منه بغير حق, فلم يكون له الحق في فيه العوض كالبيع, فإذا كان هذا في أعقاب الدخول فله أن يراجعها لأن الرجعة إنما تسقط بالعوض, وقد راح العوض فتثبت الرجعة)( ).
وتحدث ابن قدامة: (وإذا لم لديه العوض. وقلنا الخلع طلاق، حدث فسخ العلاقة الزوجية بغير بدل إتلاف، فإذا كان أدنى من ثلاث، فله رجعتها، لأن الرجعة إنما سقطت بالعوض، فإذا سقط العوض، تثبت الرجعة)( ) .
وقد استدل أصحاب ذاك القول بأن العوض أكرهت أعلاه المرأة بغير حق, فلا يحل له أن يأخذ على ترك التعدي بديلاً.
مثلما استدلوا بأدلة حرمة العضل ظلماً, وإذا حظر فوق منه العضل منع أعلاه تنفيذ العوض فيه.
واستدلوا على سقوط الخلع بأنه أوقعه باختياره وبدون إجبار، والمرأة إنما دفعت العوض من أجل الخلع فيرد فوق منها العوض ويقع الخلع.
صرح أبو المولود الباجي: (ما التزمه من طلاق الخلع يلزمه لأنه أوقعه باختياره ويرد ما إنتهاج منها من العوض, ولا يأخذ منها ما كانت التزمته له من نفقة ورضاع)( ).
القول الـ4: لا يرد العوض ويقع الخلع والزوج آثم عاص:
ولذا قول لدى الحنفية, لكن العوض لا يعقب على المرأة, ويقع الخلع, والزوج عاصٍ وآثم بذلك التصرف.
صرح الكاساني: (نهى الأزواج عن إتخاذ شيء الأمر الذي أعطوهن, واستثنى حال نشوزهن, وحكم الغير مدرج يخالف حكم المعفي منه, فيقتضى تحريم تنفيذ شيء الأمر الذي أعطوهن لدى عدم النشوز منهن, ولذا في حكم الديانة, فإن إتخاذ جاز هذا في الحكم ولزم)( ).
وقد استدل أصحاب ذلك القول بأن المرأة دفعت العوض ورضيت به فلا يعاد لها ويقع الخلع؛ لأن القرين وافق بهذا, والزوج والزوجة من أهل الإسقاط والمعاوضة فيجوز هذا في الحكم والقضاء, ويأثم القرين ديانة لأنه إجراء مادلت المقالات على حرمته.
صرح الكاساني: (فإن إتخاذ ـ أي العوض ـ جاز ذاك الحكم ولزم حتى ليس لديه استرداده؛ لأن القرين أسقط ملكه عنها بعوض وافقت به, والزوج من أهل الإسقاط والمرأة من أهل المعاوضة والرضا فيجوز في الحكم والقضاء)( ).
القول الـ5: لا يرد العوض ويقع الخلع مع الكراهة:
وذلك قول لدى الحنفية وهو أن القرين لا يرد العوض ويقع الخلع مع الكراهة.
ففي مجمع الأنهر في فسر ملتقى الأبحر: (وكره تحريما وقيل تنزيهاً له أي: للزوج إتخاذ شيء من المهر وإن قل لكلامه هلم: + ” أن نشز القرين أي كرهها وشرع في أشكال الأذى)( ) .
واستدل أصحاب ذاك القول بأن النهي في تصريحه إيتي: + ” لمعنى في غيره وهو صعود الإيحاش, فإن الرجل أوحشها بالاستبدال فلا يزيد في وحشتها بانتهاج الثروة، والنهي لمعنى في غيره لا يجهز على المشروعية كالبيع وقت النداء الجمعة ويجوز مع الكراهة.
صرح علي القاري: (ولنا أن النهي في الآية لمعنى في غيره وهو صعود الإيحاش والنهي لمعنى في غيره لا يفني المشروعية، كالبيع وقت النداء الجمعة ويجوز مع الكراهة)( ) .
والقول الراجح هو قول الحشد بأن العوض يعقب على المرأة ويقع الخلع.
أما أن العوض يرد فهو مادلت فوقه المقالات الصريحة مثل تصريحه عز وجل: + ” ولأن المرأة أكرهت على فعل العوض بغير حق فلا يستحقه القرين بهذا، والعضل ظلماً محرم على القرين وأيضاً العوض محرم فوق منه كذلك, ويقع الخلع لأن القرين أوقعه باختياره, والمرأة دفعت لأجله العوض فيقع، ويرد فوق منها العوض المأخوذ ظلماً.
أما من صرح: إن الخلع يحدث ولا يرد العوض وهو آثم أو حكمه الكراهة, فنقول: إن ذاك القول مخالف لظاهر المواضيع التشريعية من الكتاب والسنة.
صرح القرطبي: (وحكى ابن المنذر عن النعمان أنه أفاد: إذا أتى البغي والنشوز من قبله وخالعته فهو ممكن ماض وهو آثم، لا يحل له ما صنع, ولا يجبر على رد ما أخذه. صرح ابن المنذر: وذلك من كلامه عكس بديهي كتاب الله، ونقيض النبأ الثابت عن النبي ×, ونقيض ما أجمع أعلاه عامة أهل العلم من ذاك)( ).
وصرح ابن عبد البر: (قولهم: لا يمكن ويجوز في القضاء قول المحال والخطأ)( ).

Originally posted 2021-11-26 16:59:50.

Copyright © 2023 hayamgomaa.com. شركه النمر للتسويق الالكترونى 01507559911

اتصل الان